منذ سنة - Sunday 25 May 2025

في بحر من التحليلات الغربية التي تكتب عن اليمن بعيون بعيدة، يبرز كتاب الباحثة البريطانية هيلين لاكنر بعنوان “اليمن في أزمة: الاستبداد، النيوليبرالية وتفكك الدولة” كصوتٍ مختلف. لاكنر ليست باحثة مكتبية، بل عاشت في اليمن لأكثر من عقد، وأتقنت لغته، وانغمست في تفاصيله الاجتماعية والاقتصادية بعيدًا عن النظرة الاستشراقية المعتادة.
يتتبع الكتاب مسار اليمن منذ عقود، من ثورتي الشمال والجنوب إلى الوحدة ثم الحرب الأهلية، مرورًا بتدهور الاقتصاد، وتفكك مؤسسات الدولة. لكنه لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يحللها من زاوية جذرية، تضع إصبعها على أسباب الفشل البنيوي الذي سبق الحرب بسنوات طويلة.

ما يميز هذا العمل هو إضاءته على أثر السياسات النيوليبرالية المفروضة من الخارج على الاقتصاد اليمني، مثل برامج الخصخصة وتقليص دعم الخدمات، التي أدت – بحسب الكاتبة – إلى إفقار الريف وتهميش فئات واسعة، مما مهّد الطريق للغضب الاجتماعي وصعود الحركات المسلحة. كما تنتقد لاكنر بوضوح الدور الغربي في دعم نظام استبدادي تحت لافتة “الاستقرار”، فيما الحقيقة أن هذا الدعم ساهم في تعميق الأزمة.
على عكس كتبٍ غربية أخرى رسمت اليمن إما كأرض “القاعدة” أو كبلد “لا يُحكم”، تسعى لاكنر إلى تقديم صورة مركبة للواقع اليمني. فهي لا تقع في فخ التعميم، ولا تصور اليمنيين كضحايا سلبيين، بل تتناول مسؤوليات النخب المحلية في الشمال والجنوب على حد سواء، دون تبسيط أو تحيّز.
لكن رغم قوة الكتاب، يلاحظ بعض النقّاد غيابًا نسبيًا للتفاصيل المتعلقة بالحراك الجنوبي كمكوّن سياسي مستقل، إضافة إلى قلة التركيز على البعد المذهبي والعقائدي في الصراع، مقابل تركيز أكبر على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.

مع ذلك، يبقى هذا العمل من أهم ما كُتب عن اليمن في الغرب خلال العقود الأخيرة، ويستحق أن يُقرأ لا فقط لأنه “عنّا”، بل لأنه يضع سردية مغايرة للصورة النمطية التي اعتدنا رؤيتها في الإعلام الدولي. وبينما يستمر الآخرون في توصيفنا، تظل الحاجة الأكبر اليوم أن نروي نحن قصتنا، بلغتنا، وبعمق لا يقل عن عمق كتاب لاكنر.
كم مرة وجدت اليمن في رفوف المكتبات الغربية؟ ومتى يحين الوقت ليكتب اليمنيون روايتهم بأنفسهم