منذ سنة - Thursday 10 April 2025
AF
مقابلة تخيلية مع العلامة عبد الرحمن بن خلدون – رائد علم الاجتماع
في هذه المقابلة التخيلية، نعود إلى القرن الرابع عشر، لنجري حوارًا ممتعًا وعميقًا مع أحد أعظم العقول في التاريخ الإسلامي والعالمي: عبد الرحمن بن خلدون، مؤلف “المقدمة” ومؤسس علم الاجتماع كما يعرف اليوم

مقابلة تخيلية مع العلامة عبد الرحمن بن خلدون – حوار أجرته: منى صفوان
في هذا اللقاء التخييلي، ننتقل إلى القرن الرابع عشر، حيث تحاور الكاتبة والإعلامية منى صفوان أحد أعظم المفكرين في تاريخ الإنسانية: عبد الرحمن بن خلدون، مؤسس علم الاجتماع ومؤلف “المقدمة”، في حديث عابر للقرون حول العقل، والدولة، والتاريخ، والإنسان.
منى صفوان: مرحبًا بك يا سيدي ابن خلدون، بداية، كيف تقدّم نفسك لقارئ اليوم؟
ابن خلدون: وعليكم السلام ورحمة الله. أنا عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي، وُلدت بتونس سنة 1332م. نشأت في بيئة علمية، وتقلدت مناصب سياسية وقضائية، لكني وجدت في البحث والتأمل مفاتيح الفهم الحقيقي للعمران البشري، فكان كتاب “المقدمة” ثمرتي الأولى في هذا الطريق.
منى صفوان: ما الذي دفعك لكتابة “المقدمة”؟ وما الذي كنت ترى أنه ناقص في طريقة تناول المؤرخين للتاريخ قبلك؟
ابن خلدون: وجدت أكثرهم يروون الأخبار كما تصلهم، دون نقد ولا تحليل، يتبعون الظاهر ولا يغوصون في العلل. أردت أن أُؤسس لعلم يكشف عن قوانين العمران، ويفهم كيف تنشأ الدول وتسقط، وما الذي يحكم سلوك الجماعات البشرية.
منى صفوان: تحدثت كثيرًا عن “العصبية” كقوة محركة للدولة. هل يمكن شرحها للقارئ الحديث؟
ابن خلدون: العصبية هي الرابطة التي تجمع الجماعة بقوة الولاء والمصلحة والمصير المشترك. بها تُقام الدول، وبضعفها تسقط. لا يُبنى الملك إلا على عصبية متماسكة، فإذا تفرقت العصبيات أو طغى الترف وفسد الولاء، تفككت أركان الدولة.
منى صفوان: هل تظن أن نظريتك حول صعود وسقوط الدول ما زالت صالحة اليوم؟
ابن خلدون: البشر يتغيرون في ظاهرهم، لكن جوهر الاجتماع البشري ثابت في نواميسه. ما زالت الدولة تنشأ بالقوة والانضباط، وتضعف حين يسود الظلم، ويعم الفساد، وينشغل أهلها بالترف. القوانين قد تختلف، لكن السنن لا تتغير.
منى صفوان: أشرت أيضًا إلى أثر البيئة على الإنسان والمجتمع. ما الذي كنت تقصده بذلك؟
ابن خلدون: البيئة، من حيث طبيعتها ومواردها وشظف عيشها، تُشكّل الإنسان وتُكوّن طباعه. أهل البدو، لقسوة حياتهم، أقرب إلى الشجاعة والبساطة، بينما أهل الحضر، لما يجدونه من رغد، يجنحون إلى الراحة والتواكل. ومن هنا يبدأ التحول.
منى صفوان: كيف تصف علاقتك بالسلطة، وأنت الذي خضت السياسة وعانيت منها؟
ابن خلدون: علاقتي بالسلطة كانت اضطرارًا لا اختيارًا. توليت المناصب، لكن قلبي كان مع العلم. علمتني السلطة أن الحاكم لا يطلب العلم إلا ليُخضعه، وأن على العالِم أن يتحصن بالحكمة، ويكون صاحب رأي لا صاحب سلطان.
منى صفوان: لو وُجدت في عصرنا هذا، في ظل ما نراه من تحولات كبرى، كيف كنت ستقرأ هذا العالم؟
ابن خلدون: كنت سأبقى على جوهر الفكر: أفهم الناس أولاً، وأبحث في أسباب ما يجري لا في نتائجه فقط. التكنولوجيا تغيّرت، لكن الإنسان لا يزال يبحث عن القوة، الأمن، والهوية. كنت سأقرأ الحروب لا كأحداث، بل كتحولات في العصبيات، وتبدل في ميزان القوة.
منى صفوان: ما رسالتك للإنسان العربي اليوم، وهو يتخبط بين أزمات متعددة؟
ابن خلدون: أقول له: لا تهرب من التاريخ، بل افهمه. لا تصدق أن سقوط الأمم قدرٌ مفاجئ، بل هو نتيجة لسلسلة من الخيارات. تمسك بالعلم، وواجه الاستبداد بالفكر، وابنِ دولتك على العدل والتماسك، لا على الخوف والتبعية.
منى صفوان: شكرًا سيدي على هذا الحوار العابر للزمن، لقد أنرت لنا زوايا فكرية عميقة.
ابن خلدون: وأنا أشكر السيدة منى على هذه الأسئلة التي تفتح أبواب العقل. فالحوار بين العصور، هو أعظم وسيلة لفهم الإنسان، لأنه وحده لا يتغير مهما تغيّرت أدواته.
وتنتهي المقابلة، لكن أفكار ابن خلدون تظل حيّة في زمننا، تنبّهنا إلى أن التاريخ ليس حكاية، بل علم، وأن الأمم لا تنهار فجأة، بل تسقط حين تنسى سنن الله في الكون