عبد الكريم الرازحي: الساخر العظيم الذي كتب اليمن من قاع القلب

  • منذ سنة - Monday 26 May 2025

عبد الكريم الرازحي: الساخر  العظيم الذي كتب اليمن من قاع القلب
AF متابعات
متابعات عبر وكالات الانباء 

AF

في اليمن، حيث الأدب يتنفس من شقوق الحرب والمأساة، يخرج اسم عبد الكريم الرازحي كأحد تلك الأصوات التي لا تشبه غيرها. شاعر؟ كاتب؟ ساخر؟ مقاوم ناعم؟ كل ذلك ربما، لكنه في العمق شيء آخر: ضمير شقيّ كتب من الهامش ففضح المركز، كتب من الضحك فعرّى المأساة، كتب من الداخل دون أن يصفق للسلطة، ولا أن يُكفّر الخارج.

 


ولد الرازحي عام 1940 في تعز، المدينة التي أنجبت كبار الحرف اليمني، وكان منذ شبابه مزيجًا غريبًا من الخجل والتمرّد، من الهدوء والعصف. دخل عالم الصحافة مبكرًا، واشتغل لاحقًا في اتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين، لكنه ظلّ طوال حياته كما هو: يكتب كما لو كان يهمس، ويصفع كما لو كان يضحك.

 

 

 

شاعر يكتب كمن يسرق من الحزن ابتسامة

 

 

 

لم يكن عبد الكريم الرازحي شاعر مهرجانات، ولا نجم فضائيات، بل شاعر الأرصفة، والمقاهي، والقلوب المثقوبة. كتب شعرًا ساخرًا، لكنه مبلل دائمًا بالحنين والخذلان. تتسلل قصيدته من قلبك دون أن تُنذرك، تضحك، ثم تبكي، ثم تشعر بأنك انكشفت.

 


قال في إحدى قصائده:

 


“هذا البلد الذي لا ينجب إلا الشعراء

لماذا يقتلهم أيضًا؟”

 


في سطر كهذا، تختصر عبقرية الرازحي: أن تحوّل الواقع الموجع إلى مفارقة، والمفارقة إلى سؤال سياسي، دون أن تفقد شعريتك.

 

 

كاتب لا يعتذر عن أفكاره

 

 

 

في زمن الاصطفاف والرقابة والانحيازات، كتب الرازحي بصدق خالص. لم يُهادن في القضايا الكبرى: الحرب، الدين، الحرية، المرأة، الكبت. وكان قادرًا على أن يقول الحقيقة في صفحة ثقافية، حين تعجز عن قولها افتتاحيات الصحف.

 


مقالاته في الصحف اليمنية كانت دوماً مفاجآت صغيرة، لا تخضع لقواعد النشر، بل لقواعد الضمير. لم يكن مثقف سلطة، ولا معارضًا بالصوت العالي، بل صاحب موقف عميق ومتجذر، يُخجلك بتهكمه، لا بصراخه.

 

 

 

الرازحي… اليمني العابر للطوائف والمناطق

 

 

 

في بلد تمزقه الهويات الصغيرة، كان عبد الكريم الرازحي هوية أكبر: هوية الإنسان اليمني الفقير، المقهور، الحالم رغم كل شيء. لم يتورط في مناكفات الشمال والجنوب، ولا في تصنيفات الزيدية والشافعية، بل ظلّ يكتب عن الإنسان، والظلم، والكرامة.

 


وقد كتب ذات مرة:

 


“في اليمن: الولاء القبلي أهم من الشهادة الجامعية،

والرأي الحر تهمة،

والحب فضيحة.”

 


هذه ليست مجرد جمل، بل لعنات من شاعر يعرف أن ما لا يُقال، هو ما يجب أن يُكتب.

 

 

الرازحي الآن: صوت لم يهرم

 

 

 

رغم تقدمه في السن، لم يختفِ عبد الكريم الرازحي من المشهد. لا يزال يكتب، يُحاور، يُربك، يُضحك، ويُربّت على روح اليمن بجملته الموجعة الساخرة. إنه واحد من أولئك الكتّاب الذين لا يموتون لأنهم لم يعيشوا بطريقة عادية أصلاً.

 


لم يُكرّم كما يليق، لم يُحتفى به كما يستحق، لكنه حيّ في ذاكرة جيل كامل من القرّاء والمثقفين الذين اكتشفوا في كلماته مرآة لوطنهم، ومعجماً لكرامتهم المهملة.

 

 

 من قال إن الساخر لا يبكي؟

 

 

 

عبد الكريم الرازحي ليس مجرد شاعر يكتب عن الحرب، أو كاتب ساخر من السُلطة، بل ضميرٌ غاضب اختار أن يضحك بدلًا من أن يصرخ، وأن يكتب بدلًا من أن يلعن، وأن يفضح الألم بجمال لغوي، لا بضجيج ناري.

 


إنه اليمنيّ الذي عاش طوال عمره يصف البلاد كما هي، لا كما يريدها الساسة. وربما لهذا… ظلّ صادقًا في زمن الكذب، وعظيمًا من حيث لا يتوقع العظماء

AF