إبراهيم مدكور يكتب: أحمد دياب وثورة الدوري

  • منذ ساعة - Friday 05 June 2026

إبراهيم مدكور يكتب: أحمد دياب وثورة الدوري

 

في كرة القدم، قد تختلف الآراء حول القرارات الفنية، وقد تتباين وجهات النظر بشأن اللوائح أو المواعيد أو حتى شكل المسابقات، لكن هناك لغة واحدة لا تعرف المجاملة ولا الانحياز، وهي لغة الأرقام والإنجازات.

ومن هذا المنطلق، فإن ما تحقق للدوري المصري خلال السنوات الأخيرة على المستوى التسويقي والاستثماري يستحق التوقف أمامه كثيرا، خاصة أن وراءه إدارة آمنت بأن كرة القدم لم تعد مجرد 90 دقيقة داخل الملعب، بل أصبحت صناعة متكاملة تحتاج إلى فكر اقتصادي ورؤية تسويقية وخطة واضحة للمستقبل.

ما أُعلن عنه في المؤتمر الكبير الذي أقيم في مشهد حضاري يليق بمكانة مصر على سفح الأهرامات، وبالشراكة مع شركة ORA، لم يكن مجرد إعلان عن راعٍ جديد للدوري، بل كان إعلانا عن مرحلة جديدة في تاريخ المسابقة، مرحلة عنوانها تعظيم القيمة الاقتصادية للدوري المصري.

عندما ترتفع مكافأة بطل الدوري من 5 ملايين جنيه إلى 50 مليون جنيه دفعة واحدة، فنحن لا نتحدث عن زيادة عادية، بل عن قفزة تاريخية تعكس حجم الجهد المبذول في تسويق البطولة وتعظيم مواردها، هذه الزيادة ليست مكسبا لنادي بعينه، بل مكسب للكرة المصرية كلها، لأنها ترفع من قيمة المنافسة وتزيد من حوافز النجاح وتمنح الأندية فرصة أكبر للتطوير والاستثمار.

النجاح الحقيقي الذي يحسب للنائب أحمد دياب رئيس رابطة الاندية المصرية لا يتمثل فقط في الوصول إلى أكبر عقد رعاية في تاريخ الدوري المصري، وإنما في امتلاك رؤية شاملة لإعادة بناء المنتج الكروي المصري اقتصاديا، فالرجل أدرك منذ البداية أن قوة أي دوري لا تُقاس فقط بعدد النجوم أو الجماهير، وإنما بحجم العوائد المالية التي يحققها للأندية المشاركة فيه.
ولعل واحدة من أهم القرارات التي تؤكد هذا الفكر هي تخصيص 40 مليون جنيه للأندية الجماهيرية المشاركة في الدوري الممتاز. هذه الخطوة تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الكرة المصرية، التي تشكل جماهيريتها وتاريخ أنديتها أحد أهم عناصر قوتها وقيمتها التسويقية. دعم هذه الأندية ليس مجرد مساعدة مالية، بل استثمار مباشر في الحفاظ على هوية الدوري وزيادة جاذبيته وقوته التنافسية.

ولم تتوقف النجاحات عند ملف الرعاية فقط، بل امتدت إلى ملف البث التلفزيوني الذي شهد زيادة تجاوزت 300%، وهو ما يعكس نجاح الرابطة في رفع القيمة التسويقية للمسابقة، بالإضافة إلى الالتزام بإنهاء الموسم في موعده المحدد والعمل على انطلاق الموسم الجديد وفق أجندة تتماشى مع المعايير العالمية، وهو أمر طالما طالبت به الجماهير والأندية والخبراء على مدار سنوات طويلة.

الحقيقة أن إدارة كرة القدم الحديثة لم تعد تعتمد على الشعارات أو الوعود، بل على القدرة على صناعة الموارد وجذب الاستثمارات وتحويل البطولات إلى مشروعات اقتصادية ناجحة. وهنا يظهر الفارق بين الإدارة التقليدية والإدارة التي تمتلك رؤية للمستقبل.

أحمد دياب لم يكتفي بإدارة مسابقة الدوري، بل عمل على إعادة تعريف قيمتها السوقية، وسعى إلى بناء نموذج اقتصادي أكثر قوة واستدامة، ينعكس أثره على الأندية والجماهير واللاعبين والمنظومة بأكملها.

قد تكون الطريق لا تزال طويلة، وقد تبقى هناك تحديات تحتاج إلى حلول، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن ما تحقق حتى الآن يمثل واحدة من أكبر الطفرات الاقتصادية والتسويقية في تاريخ الدوري المصري، وإذا كانت الثورات الحقيقية تُقاس بحجم التغيير الذي تتركه، فإن ما نشهده اليوم يمكن وصفه بحق بأنه "ثورة الدوري"... ثورة كان أحمد دياب أحد أهم مهندسيها وصناعها.