منذ 6 أشهر - Saturday 08 November 2025
AF
افتتاح الدورة الـ34 للمؤتمر القومي العربي المنعقد في بيروت، ألقى السيد عبد الملك الحوثي كلمة متلفزة كانت محطّ جدل واسع داخل القاعة وخارجها. الكلمة التي استقبلتها الجماهير العربية بكثير من الحماس، لم تمرّ بهدوء في أوساط بعض النخب السياسية والإعلامية، التي أبدت استياءها من مضمونها، ومن حضورها الرمزي القوي في مؤتمر يُفترض أنه “جامع للعرب”.
فما الذي قاله الحوثي تحديداً؟ ولماذا أثارت كلمته هذا القدر من الغضب والانقسام
أولاً: مضمون الكلمة
في خطابه، شدّد عبد الملك الحوثي على أن تحرير فلسطين لا يمكن أن يتحقق إلا بالمقاومة المسلحة والوحدة الشعبية العربية، منتقداً ما وصفه بـ”أنظمة التطبيع” التي جعلت من إسرائيل “صديقاً”، ومن قوى المقاومة “عدواً”.
وأكد أن اليمن تقف اليوم في خندق واحد مع فلسطين ولبنان وغزة، وأن صواريخ اليمن ليست رمزية بل عملية، موجهة نحو كل من يساند الاحتلال في عدوانه على غزة.
كما دعا المؤتمر القومي العربي إلى أن يكون منبراً لدعم محور المقاومة لا منبراً للحياد أو المجاملة السياسية.
ثانياً: أسباب الغضب والرفض
رغم أن مضمون الكلمة انسجم مع شعار المؤتمر “نهضة الأمة ومقاومة الاحتلال”، إلا أن بعض الأصوات داخل القاعة وخارجها عبّرت عن انزعاج واضح، لأسباب متشابكة، يمكن تلخيصها في ثلاث دوائر:
1.
البعد السياسي والإقليمي
بعض المشاركين – خصوصاً من التيارات القومية التقليدية أو المقرّبة من دول خليجية – اعتبروا أن إدراج كلمة الحوثي “تسييس” للمؤتمر لصالح محور معين (محور المقاومة)، ما يخرجه عن طابعه “القومي الجامع”.
كما رأوا أن ظهور الحوثي في مؤتمر عربي رسمي يشكّل اعترافاً ضمنياً بشرعية سلطته في صنعاء، وهو ما يثير حساسية لدى بعض العواصم العربية.
2.
التحفّظ الأيديولوجي
هناك من لا يزال أسير الانقسام المذهبي، فقرأ كلمة الحوثي من زاوية طائفية لا قومية، متجاهلاً مضمونها الوطني، إذ اعتبرها خطاباً شيعياً إيرانياً مضمراً، رغم أن عباراته تمحورت حول العروبة وفلسطين.
وهذا الموقف يعكس أزمة الخطاب القومي نفسه الذي فقد قدرته على استيعاب حركات مقاومة جديدة خارج الإطار البعثي أو الناصري التقليدي.
3.
البعد الرمزي والإعلامي
بعض وسائل الإعلام العربية حاولت التقليل من أهمية مشاركة الحوثي، لأن مجرد ظهوره في منصة قومية عربية، وبخطاب موجه للأمة، يعني انتصاراً معنوياً لمحور المقاومة في مقابل أنظمة التطبيع.
وهذا ما أزعج مؤسسات إعلامية وسياسية عربية تحاول منذ سنوات شيطنة “أنصار الله”، فبدت كلمة الحوثي كإعلان حضور رسمي في الفضاء القومي العربي بعد سنوات من التهميش.
ثالثاً: ردود الفعل المؤيدة
في المقابل، لاقت الكلمة ترحيباً واسعاً في أوساط الجمهور العربي والإعلام المقاوم.
الكثيرون رأوا فيها لحظة رمزية تعيد وصل اليمن بالأمة العربية من بوابة فلسطين، وأنها تمثّل رد اعتبار للمقاومة اليمنية التي وقفت مع غزة حين صمتت عواصم أخرى.
وقد تداول ناشطون على وسائل التواصل مقاطع من الخطاب، مرفقة بتعليقات تصف الحوثي بأنه “صوت العروبة الصادق في زمن الانقسام”.
رابعاً: دلالات المشهد
الغضب من كلمة الحوثي لا يرتبط بمضمونها فقط، بل بما تمثله من تحوّل في الوعي القومي العربي:
فالمؤتمر القومي العربي الذي طالما جمع التيارات الناصرية والبعثية واليسارية، يشهد اليوم انفتاحاً متزايداً على محور المقاومة كامتداد طبيعي للفكر القومي.
كما أن الخطاب الحوثي، بمفرداته العربية والإسلامية، كسر الصورة النمطية التي رسمها خصومه، وقدم نفسه كقوة عربية مستقلة، تنتمي لمشروع التحرر لا للمحاور الإقليمية