حزب الله بين حدود الدولة اللبنانية وطموحات ما وراء الحدود

  • تقرير خاص
  • منذ 6 أشهر - Friday 07 November 2025

حزب الله بين حدود الدولة اللبنانية وطموحات ما وراء الحدود
AF متابعات
متابعات عبر وكالات الانباء 

AF

 

 

تُعدّ معضلة حزب الله من أكثر الظواهر السياسية والعسكرية تعقيدًا في الشرق الأوسط

إذ تكمن في الفجوة بين طموحه الإقليمي الواسع وإطاره الوطني الضيق. فالحزب وُلد داخل دولة صغيرة، محدودة الجغرافيا والإمكانات، رسمت حدودها قوى استعمارية في زمن ما، بينما تشكّل وعيه ونشأته في سياقٍ أوسع يتجاوز حدود لبنان إلى ساحات الإقليمة بأكملها.

 


منذ ظهوره في ثمانينيات القرن الماضي، لم يتصرّف حزب الله كتنظيم لبناني صرف، بل كحركة مقاومة ترى في نفسها جزءًا من مشروعٍ أوسع لمواجهة إسرائيل ومن ورائها النفوذ الغربي في المنطقة. هذا البُعد الإقليمي هو ما جعله — على الدوام — أكبر من الساحة اللبنانية، سواء من حيث حجم تأثيره أو من حيث طبيعة التحالفات التي يرتبط بها.

 

 

 

بين الدفاع والهجوم

 

 

 

من الناحية الدفاعية، استطاع الحزب أن يُكرّس حضوره كقوة ردع داخل لبنان، وأن يفرض معادلات جديدة على إسرائيل في كل مواجهة تقريبًا. موقعه الجغرافي، وقدراته العسكرية، وخبرته الطويلة في حروب العصابات، جعلته رقماً صعباً في أي معادلة أمنية تخص الحدود الجنوبية.

لكنّ قواعد الاشتباك في الدفاع تختلف جذرياً عن الهجوم. ففي الهجوم، تتداخل اعتبارات الداخل اللبناني، والضغط الدولي، وحسابات إيران وسوريا، مع الواقع الإقليمي المتفجّر. لذلك، كل خطوة هجومية من الحزب تُحسب بدقّة، لأنها ليست مجرّد تحرّك عسكري بل رسالة سياسية تتجاوز حدود لبنان.

 


ما كبّل يده خلال حرب غزة (“طوفان الأقصى”) لم يكن ضعفاً عسكرياً بقدر ما كان قراراً استراتيجياً مدروساً لتجنّب فتح جبهة شاملة. لكن إن تغيّر شكل الصراع، وقررت إسرائيل شنّ حربٍ واسعة على لبنان، فإن القيود السابقة لن تبقى سارية بالضرورة، لأن طبيعة المعركة نفسها ستختلف. حينها، سيجد الحزب نفسه في موقع «الدفاع الوجودي»، وهو نوع من القتال لا يخضع لحسابات ضبط النفس أو رسائل السياسة.

 

 

 

خطأ التقدير الإسرائيلي

 

 

 

الخطأ الإسرائيلي المزمن هو التعامل مع حزب الله بعقلية “العدو القابل للردع بالتهديد فقط”. فإسرائيل تميل إلى قياس قوة الحزب بمعاييرها الذاتية: عدد الصواريخ، نطاق الانتشار، والدعم الإيراني. لكنها تُغفل ما هو أهمّ: عنصر الإرادة والعقيدة القتالية التي لا تُقاس بالعتاد وحده.

عند الصدام بقوة تمتلك دوافع عقائدية طويلة المدى، تتغير الحسابات العسكرية البحتة. إسرائيل اختبرت ذلك عام 2006، حين تحوّلت عملية عسكرية محدودة إلى حرب استنزاف طويلة، خرج منها الحزب وهو أكثر حضوراً في الوعي العربي والإقليمي، رغم الدمار الهائل الذي أصاب لبنان.

 


اليوم، يبدو أن إسرائيل — تحت ضغط أزمتها الداخلية، وتحدياتها في غزة، والقلق من الجبهة الشمالية — تُعيد إنتاج الخطأ نفسه. فهي تفسّر تريّث الحزب بأنه ضعف أو خوف، متناسية أن الصمت في معادلات الشرق الأوسط قد يكون أداة إدارة وليس علامة تراجع.

 

 

 

قراءة في الواقع الراهن

 

 

 

المشهد الحالي يشير إلى أن الحزب لا يسعى إلى حربٍ شاملة، لكنه في الوقت ذاته لا يقبل بتغيير قواعد الاشتباك التي حافظت على توازن الردع منذ 2006.

ولذلك، فإن أي خطأ في الحساب الإسرائيلي قد يدفع باتجاه تصعيد لا يمكن السيطرة عليه، خاصة إذا شعرت المقاومة بأن أمن الجنوب اللبناني أو هيبتها السياسية في خطر. عندها، ستتحرك وفق معادلة مختلفة كلياً، ترى في الحرب فرصة لإعادة رسم التوازنات لا مجرد الدفاع عن موقعٍ تكتيكي.

 

 

 

احتمالات إعادة تشكيل الردع

 

 

 

إذا اندلعت الحرب فعلاً، فسيكون حزب الله أمام فرصة — أو تحدٍّ — لإعادة صياغة معادلة الردع على أسس جديدة، تشمل ليس فقط الجنوب اللبناني، بل امتداداته الإقليمية في سوريا والعراق وربما البحر الأحمر. هذه الفرضية تستند إلى تراكم الخبرة القتالية للحزب، وتوسّع شبكته اللوجستية خلال العقد الماضي.

 


أما إسرائيل، فستجد نفسها في اختبار صعب: كيف تخوض حربًا طويلة ضد خصم غير تقليدي، في وقتٍ تواجه فيه ضغوطاً اقتصادية، وانقسامات داخلية، وتراجعًا في صورتها الدولية منذ حرب غزة.

 

 

 

الظاهرة المعقدة 

 

في نهاية المطاف، تظلّ مشكلة حزب الله كامنة في كونه كياناً يتجاوز جغرافيا الدولة اللبنانية من حيث الطموح والتأثير. فهو ليس مجرد فصيل محلي، بل جزء من منظومة إقليمية ترى نفسها في مواجهة مشروع أوسع تقوده إسرائيل وحلفاؤها.

أما خطأ إسرائيل المزمن فهو افتراضها أن بإمكانها إخضاع هذا الواقع بالقوة العسكرية وحدها. فالتاريخ أثبت أن الصدام مع الفاعلين العقائديين في الشرق الأوسط لا يُقاس بالميزان التقليدي للسلاح أو الاقتصاد، بل بإرادة البقاء واستعداد تحمّل الكلفة.

 


من هنا، يمكن القول إن المرحلة المقبلة — سواء استمر التوتر الحالي أو تطور إلى حرب مفتوحة — ستعيد تعريف مفهوم الردع في المنطقة، وتفرض على جميع الأطراف إعادة التفكير في موازين القوة، ليس فقط في لبنان، بل في الإقليم كله.

 

AF