منذ 3 سنوات - Friday 09 September 2022
الاعتقال الإداري: نهج احتلالي متواصل لممارسة العقاب الجماعي بحق الفلسطينيين
رام الله – نظير طه:

تختصر منظمة "بتسيلم" «المركز الإسرائيلي للمعلومات عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة» تعريف الاعتقال الإداريّ بأنه "هو حبس شخص دون محاكمة بدعوى أنّه يعتزم في المستقبل الإقدام على فعل مخالف للقانون، دون أن يكون قد ارتكب بعد أيّة مخالفة".
ولأنّ الحديث يجري كمّا يبدو كخطوة وقائية فإنّه لا يوجد وقت محدّد لفترة الاعتقال. ويجري الاعتقال الإداري دون محاكمة استنادًا إلى أمر يصدره قائد المنطقة التي يسيطر عليها الاحتلال وباعتماد أدلّة وبيّنات سرّية - لا يطّلع عليها حتّى المعتقل نفسه.
هذا الإجراء يجعل المعتقل في وضع لا يُحتمَل إذ يقف عاجزًا في مواجهة ادّعاءات لا يعرفها وبالتالي لا يملك طريقة لتفنيدها ودحضها بلا لائحة اتّهام ولا محاكمة وبالتالي دون إدانة ودون أن يعرف متى سيتمّ إطلاق سراحه
وقد يَصدر أمر تجديد اعتقاله قبل أيام قليلة من موعد الإفراج عنه، أو في ذات اليوم المقرر فيه الإفراج عنه.
وقد بدأ الاحتلال الإسرائيلي استخدام هذه العقوبة، المحظورة في القانون الدولي، ضد الفلسطينيين بمن فيهم الأطفال والنساء، منذ احتلاله الضفة الغربية وقطاع غزة وشرقي القدس عام 1967.
وهو يستخدم هذه السياسة كأداة للقمع والتعذيب ضد الأسرى الفلسطينيين وأُسرهم، وذلك ضمن السياق الاستعماري التي أقام دولته على أراضي فلسطين.
دور محاكم الاحتلال
المحاكمات في الاعتقال الإداري هي محاكم صورية (شكلية)، إذ تجري فيها المداولات بصورة بعيدة عن أصول المحاكمات حتى وإن حضرت فيها جميع مظاهر المحكمة من قاضٍ ومحامٍ ومدعي عام ومعتقل. ولا تقدم لائحة اتهام، ولا تتاح مساحة كافية للدفاع ومناقشة الشهود.
كما يقدّم خلال الجلسة ملف سرّي يمنع المعتقل ومحاميه من الاطّلاع عليه، فللقاضي فقط حقّ الاطّلاع عليه، ويعتمد على ساعة إصدار القرار، فيما يبقى قرار تمديد أمر الاعتقال أو إلغاؤه في المستقبل من اختصاص المخابرات. كما يحظر حضور الجمهور أو عائلة المعتقل التي تمنع من الدخول لقاعات المحاكم. ولذلك يعتبر كثيرون من المتابعين والمحللين المهنيين أن دور القضاة في هذه الإجراءات ينحصر في محاولة إضفاء شرعية على مجمل الإجراءات.
وفي حين يصدر أمر الاعتقال الإداري للمعتقلين من سكان الضفة الغربية وغزة من قبل الحاكم العسكري الإسرائيلي للمنطقة، يقع إصداره ضمن صلاحيات وزير الأمن الإسرائيلي للمعتقلين من سكان القدس الشرقية.

عدد الأسرى الإداريين
حتى نهاية شهر تموز الماضي بلغ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال نحو (4550) أسيراً، من بينهم (27) أسيرة، و(175) قاصراً، ونحو (670) معتقل إداري.
وبلغ عدد أوامر الاعتقال الإداريّ الصّادرة في شهر تموز 2022 نحو (191) أمراً، بينها (65) أمراً جديداً، و(126) أمر تمديد.
ويقول نادي الأسير الفلسطيني إن إسرائيل تستهدف بالاعتقال الإداري "الفلسطينيين الفاعلين والمؤثرين على كافة المستويات السياسية، والاجتماعية، والمعرفية، بهدف تقويض أي حالة فاعلة في المجتمع الفلسطيني".
3أسرى يخوضون معركة "الأمعاء الخاوية"
وحتى تاريخ السابع من أيلول الحالي يخوض 3 أسرى في سجون الاحتلال، معركة "الأمعاء الخاوية"، ويواصلون إضرابهم المفتوح عن الطعام، احتجاجا على اعتقالهم الإداري، وسلوك إدارة مصلحة السجون، بحسب ما أفاد نادي الأسير.
ومن بين المضربين عن الطعام، شقيقان، هما أحمد موسى (44 عاما) وعدال موسى (34 عاما)، اللذين يواصلان إضرابهما عن الطعام لليوم الـ 32 على التوالي، رفضا لاعتقالهما الإداري المستمر، إضافة إلى الأسير جواد جواريش (41 عامًا)، للمطالبة بالسماح له بلقاء شقيقيه المعتقلين في سجون الاحتلال.
وقال نادي الأسير أن سلطات الاحتلال أصدرت بحق أحمد أمر اعتقال إداري لمدة أربعة شهور، وبحق عدال لمدة ثلاثة شهور، مشيرا إلى أن المعتقل أحمد نقل مؤخرا عدة مرات من سجن "الرملة" إلى مستشفى "كابلان"، نتيجة تدهور وضعه الصحي، وهو أسير سابق، يعاني من مشاكل حادة في القلب، وقد أجرى عدة عمليات جراحية على مدار السنوات الماضية، وهو متزوج وأب لسبعة أبناء.
علما أن المحكمة رفضت استئنافا تقدمت به محاميته على قرار تثبيت أمر اعتقاله الإداري.
والمعتقل عدال أسير سابق، أمضى في سجون الاحتلال نحو سبع سنوات، منها خمس سنوات بشكل متواصل، وهو متزوج وأب لطفلين، وما يزال محتجزا في زنازين سجن "عوفر".
ولفت إلى أن الأسير جواد جواريش (41 عاما)، من بيت لحم يواصل إضرابه المفتوح عن الطعام لليوم السادس على التوالي في زنازين سجن "عسقلان"، للمطالبة بالسماح له بلقاء شقيقيه المعتقلين في سجون الاحتلال عبد الله، وعرابي جواريش.
وذكر نادي الأسير أن الأسير جواريش المعتقل منذ عام 2002، حرم من زيارة شقيقيه منذ 20 عاما، بذريعة وجود "منع أمني" بحقهما، واليوم بعد اعتقالهما يطالب بلقائهما، بعد سنوات طويلة من الحرمان.
يشار إلى أن شقيقه عبد الله معتقل إداريا ويقبع في النقب، وشقيقه عرابي ما يزال موقوفا ويقبع في سجن "عوفر".
يذكر أن الأسير جواريش محكوم بالسجن مدى الحياة، وكان قد تعرض عدة مرات للعزل، وهو متزوج وأب لابنتين، إحداهما كانت تبلغ من العمر ثمانية شهور عندما أعتقل، وابنته الثانية كانت في رحم أمها.
احتجاجات وإضرابات
خاض الأسرى الإداريون احتجاجات وإضرابات جماعية ضد اعتقالهم الإداري، بينها مقاطعة محاكم الاحتلال، وكان آخر الأسرى المضربين المعتقل خليل عواودة (40 عامًا) والذي علّق إضرابه عن الطعام مؤخرا، الذي استمر172 يوما، حيث تمكنت محاميته أحلام حداد من التوقيع على تعهد بالإفراج عنه في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2022.
أكثر من 54 ألف أمر اعتقال اداري منذ 1967
ويقول رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين عبد الناصر فروانة، ان دولة الاحتلال توسعت في استغلال أمر الاعتقال الإداري، الموروث من عهد الانتداب البريطاني، حتى أصبح على يديها، إجراءً عقابيٍاً جماعياً، ضد الفلسطينيين.
بل إنها ذهبت إلى حد استعماله بديلا مريحا عن الإجراءات الجنائية العادية لتبرير استمرار احتجاز المواطنين دون تهمة أو محاكمة استناداً لما يُسمى بـ "الملف السري" الذي يشكل أساس الاعتقال، حيث السرية المفروضة على الأدلة والمواد، والتي لا يسمح للمتهم أو لمحاميه بالاطلاع على محتواها- مما يجعل من المستحيل رد التهم المنسوبة أو مناقشتها-. لذا فان الواقع يقول: أن الممارسة العملية لإجراءات الاعتقال الإداري، لدى دولة الاحتلال، قد جعل منه حجزا غير قانوني ولا إنساني، ومخالف لروح ونصوص الاتفاقيات الدولية، بل وروح قانون الانتداب نفسه.
ومن الناحية الفعلية، ومنذ العام 1967، جعلت دولة الاحتلال من الاعتقال الإداري قاعدة، لا استثناء، وسياسة ثابتة في تعاملها مع الفلسطينيين، ووسيلة للانتقام والضغط والعقاب الجماعي بما يخالف قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
لقد اتسم السلوك الإسرائيلي بالتصعيد في استخدام هذا الإجراء من الاعتقال بحق الفلسطينيين حتى بلغ عدد قرارات الاعتقال الإداري منذ العام 1967، ما يزيد على (54) ألف قرار، سواء منها ما كان قرارا جديدا أو ما تم تجديده.
إن كثير من الفلسطينيين، اعتقلوا إدارياً لأكثر من مرة، وأن العديد منهم جُدد لهم الاعتقال الإداري مرات عديدة دون رادع، وقد أمضى بعض المعتقلين خمس سنوات، بل عشر سنوات وما يزيد في سجون الاحتلال رهن ما يُسمى بـ "الاعتقال الإداري"، حتى أصبح الكثيرون من المعتقلين الإداريين سجناء إلى أمد غير معلوم، جراء تجديد أوامر الاعتقال.
ووفق منظمة "بتسيلم الحقوقية"، فإن القضاة دائمًا ما يوافقون على طلب النيابة الاسرائيلية فرض السرية على الأدلة والبينات التي تعرضها أمامهم.
