منذ 3 سنوات - Friday 02 September 2022
AF ‘‘دولة غير صالح للحياة’’.. بهذا التعبير اختصر مسؤول أممي مأساة اليمن، مطلع العام الماضي، بعد سنوات من الحرب والدمار والمجاعة القاتلة، حيث تحول البلد النفطي، المهيمن على أحد أهم ممرات التجارة العالمية، إلى ساحة صراع متعدد الأقطاب، يعتمد سكانه على المساعدات الإنسانية، ويواجه أكثر من 80% منهم الموت جوعًا.
تمتلك اليمن ثروات طبيعية هائلة، ومتنوعة، كالنفط والغاز والموانئ البحرية والثروة السمكية، وغيرها من الموارد، إلا أنها تعد واحدة من أسوأ الدول اقتصاديًا، و تصدرت المرتبة الاولى بقائمة الدول الأكثر هشاشة عالميًا، بحسب تصنيف منظمة Fund For Peace لعام 2021.
بدأت اليمن استكشاف النفط وإنتاجه وتصديره، في ثلاثينيات القرن العشرين، ووصل الإنتاج اليومي في 2014 إلى 155000 برميلًا في اليوم الواحد، قبل أن يتراجع خلال السنوات الأخيرة بسبب الحرب إلى 65400 بحلول 2021 بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA).
كما يتمتع البلد ‘‘الفقير’’ بموقع جغرافي متميز، وشاطئ طويل على بحر العرب والبحر الأحمر، تقدر مساحته بنحو 2250 كم، تمتد من حدود اليمن مع سلطنة عُمان وحتى نهاية حدودها مع السعودية، وتتوزع على 9 محافظات، منها 6 محافظات على سواحل خليج عدن وبحر العرب و3 محافظات على البحر الأحمر.
تتصدر ستة موانئ بحرية دولية قائمة الموانئ اليمنية، وهي (ميناء عدن، ميناء الحديدة، ميناء المكلا، ميناء المخا، ميناء الصليف، وميناء نشطون) مجهزة لاستقبال البضائع والسفن وتقديم خدمات الشحن والتفريغ والتخزين، إلى جانب ثلاثة موانئ بحرية رئيسية لتصدير النفط (ميناء رأس عيسى، ميناء الشحر، وميناء بلحاف)، وتسعة موانئ بحرية محلية (ميناء سيحوت، ميناء الشحر، ميناء شقرة، ميناء سقطرى، ميناء رأس العارة، ميناء الخوخة، ميناء اللحية، ميناء ميدي، ميناء قنا).
يتجاوز عدد سكان اليمن، بحسب الإحصائيات الأخيرة، 31 مليونًا، يعيش أكثر من نصفه تحت خط الفقر، نتيجة الأزمات المتلاحقة منذ عقود، وضاعفت مأساتها الحرب المستمرة منذ نحو تسع سنوات، التي قسّمتها إلى أجزاء شبه منفصلة عن بعضها، وأفرزت نظامين ماليين مختلفين، وانقطعت مرتبات الموظفين، حتى وصفت – مؤخرًا – بأنها تعيش ‘‘أكبر أزمة إنسانية’’ في العالم وفق التقارير الدولية.
هل اليمن دولة فقيرة فعلًا؟
يبرز هذا السؤال، عند قراءة التناقضات عن الوضع الاقتصادي في اليمن، وهو سؤال عرضناه على مختصين ومسؤولين في المجال الاقتصادي، للبحث عن إجابة، تفسر لنا سر المأساة التي تعيشها البلاد منذ عقود رغم موارده وثرواته الكبيرة.
فشل وفساد
يرى الباحث الاقتصادي، رشيد الحداد، في حديث مع ‘‘العربية فيليكس’’ أن اليمن دولة غنية بمواردها، بالفعل, وفي المقابل كانت ولاتزال كدولة فاشلة إدارياً من جانب واقتصادياً ايضاً، فهو البلد الثري الذي يمتلك ثروات كبيرة كالنفط والغاز والمعادن كالذهب الذي يتواجد بأكثر من 40 موقعًا، في اليمن وبكميات كبيرة، إلى جانب الزنك وتمعدنات السراميك والرخام والزنك والرمال السوداء والمعادن التي تدخل في صناعة الإسمنت وكذلك الزيوليت والفضة وغيرها، كما تملك موقعًا استراتيجيًا إلى جانب الثروة البشرية، لكنها - مع ذلك - من أبرز البلدان العربية المصدر للعمالة.
ويشير الحداد، إلى أن اليمن لم تستثمر سوى 19% من الثروة النفطية، لكن بسبب عدم الاستقرار السياسي والأمني الناتج عن الصراعات والحروب ومخاطر التنظيمات الإرهابية تعثر توظيف هذه الثروة لصالح التنمية.
بدوره رأى مسؤول سابق في وزارة النفط اليمنية، رفض نشر اسمه لأسباب خاصة، إن السبب في الوضع الاقتصادي المتردي هو الفساد المالي والإداري الذي نخر المؤسسات الحكومية خلال العقود الماضية، الفشل الذي رافق الحكومات السابقة.
وأشار إلى أن الحكومات السابقة، تعمدت إبقاء اليمن فقيرًا، مقابل صفقات خاصة، واستدل بذلك على صفقة ميناء عدن، التي أوقفت الميناء عن العمل، لصالح ميناء دبي في الإمارات، كواحدة من أكبر صفقات الفساد في اليمن.. ويوافقه في ذلك الباحث الحداد الذي يرى أن من صور الفساد التي تشهدها البلاد، استحواذ عائلات محددة على القطاع الخاص، وتحكمها في استثمار العديد من الموارد، كالنفط والغاز.
واعتبر المسؤول السابق أن ميناء عدن – على سبيل المثال - كان بإمكانه أن ينقل الاقتصاد اليمني إلى مراحل متقدمة، لو تم استغلاله لصالح اليمن، وسيرفد الاقتصاد بمليارات الدولارات، إلى جانب العوائد المادية الهائلة التي ستجنيها البلاد، نتيجة تشغيل الميناء، كتشغيل المطارات والمدن الصناعية.
ونتيجة للفساد الإداري والمالي تراجعت ثقة الدول المانحة بالجانب الحكومي وأدى ذلك إلى تقلص تعهداتها لليمن قبل الحرب .. وتوقفت قرابة 200 مشروع ممول من المانحين، بحسب الباحث الحداد.
عوامل خارجية
يقول الباحث الاقتصادي الحداد إن عددًا من العوامل الخارجية ساهمت أيضاً في إفشال كافة خطط التنمية التي أعدت منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي وأبرز هذه العوامل التدخلات الخارجية والوصاية الأجنبية والتي كان لها دور كبير في إيقاف الاستثمار النفطي في الجوف والمهرة وسقطرى وميدي وسواحل تهامة ، ومُنع الجانب اليمني من استثمار هذه الموارد التي كانت كفيلة بتغيير المعادلات الاقتصادية إلى الأفضل وتحقيق الرخاء الاقتصادي للشعب.
يعتبر المسؤول السابق، في حديثه الخاص، أن لبعض دول الإقليم دورًا واضحًا في عرقلة التنمية في اليمن، مشيرًا إلى أن هذا التدخل أخذ صورًا مختلفة، كالرشاوى وشراء الولاءات، والصفقات السرية، قبل تمكنها من التدخل العسكري المباشر في اليمن.
وحول هذه النقطة، عرضنا عددًا من الأسئلة على وزير النفط السابق، في الحكومة المعترف بها دوليًا ‘‘عبدالسلام باعبود’’ الذي اطلع على الرسائل عبر ‘‘واتسآب’’ دون رد، حتى لحظة كتابة هذا التقرير.
صراعات داخلية
شهدت اليمن، صراعات وأزمات سياسية متعددة، منذ قيام الثورة اليمنية في 1962 حتى اليوم، الأمر الذي أفشل كل محاولات تحريك عجلة الاقتصاد، بحسب الباحث رشيد الحداد، إلى جانب عدم استقلال القرار السياسي للبلاد، مضيفًا: ‘‘فشلت الكثير من المحاولات الرامية لتحسين مناخ الاستثمار حتى في القطاعات الخدمية والسياحية’’.
وأضاف أن عدم الاستقرار أدى إلى ارتفاع معدل المخاطرة الاستثمارية فتراجع تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر لليمن قبل الحرب بشكل كبير، الأمر الذي ضاعف معاناة اليمنيين وأدى إلى تدهور الاقتصاد اليمني .
اقتصاد متهالك
الصحفي الاقتصادي وفيق صالح، الذي انشغل عن التعليق على الأسباب الحقيقية لانهيار الاقتصاد في اليمن، يرى في مقال سابق، أن البنية التحتية لليمن مدمرة، ضاعفت الحرب مشكلتها، مؤكدًا أن توفّر البنية التحتية القوية هو مفتاح النمو الاقتصادي وفرص العمل، إذ لا يمكن تحقيق نمو اقتصادي، دون تقدم ملموس في جودة البنية التحتية.
واستعرض الصحفي، في مقاله، الذي تضمن بعض الإجابات على الأسئلة، فشل الحكومة اليمنية تأمين قطاع الطاقة، ونتيجة لهذا الفشل، تنفق الحكومة نحو 1.2 مليار دولار سنوياً لشراء الوقود الخاص بتشغيل محطات توليد الكهرباء، ما يجعل فاتورة الإنفاق المتضخمة بمثابة هدر وتسرب مالي، بدون فوائد واقعية.
وحول أسباب تدهور البنية التحتية، يقول الباحث الحداد إن الكثير من خطط تحسين البنية التحتية لم تجد طريقها للتنفيذ، إما لنقص التمويل أو الفساد المالي والإداري.. لافتًا إلى أن بعض المشاريع لم تكتمل منذ 20سنة بسبب أن افتتاح بعض المشاريع كان لغرض الدعايات الانتخابية، بحسب تعبيره.
بلد غني بلا قيادة
يرى الباحث رشيد الحداد، أن مشكلة اليمن كانت ومازالت في عدم وجود قيادة حقيقية تنتشل البلد من وضعه المتدهور، ويعتقد أن الحل يكمن في وجود يمتلكون إرادة سياسية قوية وصادقة لقيادة نهضة اقتصادية... مؤكدًا أن ‘‘اليمن بالفعل غني بالثروات .. لكنه يفتقر للإرادة والإدارة الصادقة والمخلصة’’.
وأضاف أن الفرصة لا تزال مواتية للتحول نحو الأفضل، في حال الخروج من الحرب، لأن ثروات اليمن لاتزال في باطن الأرض.. شريطة وجود قيادات وطنية مخلصة وملهمة .. لأن تجاربنا في حكومات الشراكة فشلت وتحولت إلى صراعات، بحسب قوله.
ويختصر الباحث أبرز عوائق النهوض في اليمن تتمثل في الوصاية الأجنبية، وعدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، وتفشي الفساد الإداري والاقتصادي، وغياب استقلال القرار السياسي نتيجة تعرض صانع القرار لضغوط أجنبية كبيرة.. وفي حال التخلص من هذه العوامل ستستعيد البلاد عافيتها.