منذ 3 سنوات - Thursday 01 September 2022
مستقبل المنطقة بعد الاتفاق النووي الإيراني!!
إعداد: أحمد مسعود
تتأهب إيران مجددًا لقطف ثمار الاتفاق النووي مع الغرب، بناءً على شروط جديدة فرضتها طهران خلال المفاوضات الأخيرة.. ومن المحتمل أن تشهد المنطقة مزيدًا من النفوذ والتوسع الإيراني، على حساب خصومها الإقليميين؛ حيث تضمنت المسودة الأوروبية لإحياء الاتفاق عددا من ‘‘المكافآت’’ التي ستجنيها طهران، منذ اليوم الأول لتوقيع الاتفاق، يمكن إيجازها فيما يلي:
1- رفع العقوبات عن 17 بنكًا و150 مؤسسة اقتصادية إيرانية.
2- الافراج عن 7 مليارات دولار من أموال إيران في كوريا الجنوبية.
3- تصدير مليوني ونصف المليون برميل من النفط يوميا بعد 120 يوما من التوقيع على الاتفاق.
4- دفع واشنطن غرامة مالية في حال انسحابها مجددًا من الاتفاق النووي.
وبناءً على ذلك، يمكن القول، إن الاتفاق سيطلق يد إيران في المنطقة، بشكل أوسع مما كان عليه الأمر خلال السنوات الماضية، وهذا ما تدركه الأطراف الإقليمية التي كانت تتمنى فشل الاتفاق النووي، وتعارض إحياءه مجددًا، عقب انسحاب الإدارة الأمريكية السابقة منه.
وكما أن الاتفاق بنسخته الأولى، منح طهران ضوءًا أخضر، للتوسع في المنطقة، فإنها استفادت – أيضًا – من انسحاب واشنطن منه، لفرض واقع جديد، على المستويين المحلي والإقليمي، وستُمنح اليوم – بلا شك – المزيد من الضوء لمواصلة إنجازاتها السابقة، خصوصًا بعد تعرض خصومها الإقليميين، للخذلان من قبل الحليف الغربي.
تحالفات جديدة
سيفرض الاتفاق النووي، الذي يشهد – حاليًا – اللمسات الأخيرة، واقعًا جديدًا ومختلفًا عما كانت عليه الأوضاع في المنطقة العربية، لذا أدرك حلفاء واشنطن (دول الخليج والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص) أنهم بحاجة إلى تحالفات جديدة، منذ ما قبل الخطوة الأولى للعودة للاتفاق، ولعل أبرز مؤشرات الرد الخليجي، طيّ صفحة الخلاف مع تركيا، والموقف المحايد إزاء الحرب الروسية الأوكرانية، ورفض زيادة إنتاج النفط، والبدء في ترميم ما أحدثته السنوات الماضية، كالسعي لإغلاق ملف الحرب في اليمن، إضافة إلى زيارة رئيس تيار الحكمة الوطني العراقي عمار الحكيم، إلى السعودية.
ويبدو الموقف الخليجي موحدًا إزاء الاتفاق النووي الإيراني، حيث كانت دول الخليج ترغب في إشراكها في أي اتفاقية قادمة، لكن حلمها لم يتحقق، فبدأت تستعد لتقبُّل الوضع الجديد، والنظر لما بعد الاتفاق، ولكن بأشكال أحادية؛ حيث سعت المملكة العربية السعودية لإجراء مفاوضات مع إيران عبر العراق، وحققت تقدمًا كبيرًا في هذا الصدد، فيما بدأت الإمارات منذ وقت مبكر، تبادل الزيارات مع طهران، وأعلنت في أغسطس الماضي، إعادة سفيرها إلى إيران، وأكدت - سابقًا - أنها لن تكون في أي محور ضد إيران، بحسب تصريحات المستشار السياسي للرئيس الإماراتي ‘‘أنور قرقاش’’ في منتصف يوليو الماضي.
أما دولة قطر، التي استضافت، في يونيو الماضي، جولة من المفاوضات النووية، تسعى لأن تكون طرفًا محايدًا، في مختلف الملفات المتعلقة بإيران، ولا تخفي علاقتها بطهران، وتتبادل معها الزيارات، لكنها كغيرها من دول الخليج تأمل في إيجاد اتفاقية تحفظ أمن المنطقة.
وبالنظر إلى مواقف بقية دول الخليج، نجدها لا تختلف كثيرًا عن مواقف الدول الثلاث، إلا أن لكل منها طريقة خاصة في التعامل مع طهران.
هل تتنازل طهران عن حلمها؟
وبالنظر إلى تأثيرات الاتفاق النووي الإيراني، على المنطقة، فمن المستحيل أن تتخلى طهران عن أحلامها التوسعية، أو تخذل حلفاءها الذين أحكموا السيطرة على أربع عواصم عربية – حتى الآن –، وتشير التوقعات إلى عاصمة خامسة ستسقط في يد حلفاء طهران خلال المرحلة المقبلة، إذا تخلت واشنطن عن الحلفاء في المنطقة.
والقارئ الجيّد للسياسة الإيرانية، يدرك أن طهران لا توقفها اتفاقيات أو مشاورات عن تحقيق مشاريعها في المنطقة، كما أن الاتفاق النووي لم يُعر حلفاء واشنطن أي اهتمام، واقتصر على تحقيق مصالح الدول المشاركة فيه، وليس للعرب نصيب منه.
احتمالات الفشل
هناك رأي آخر، يرى أن الدبلوماسية مع إيران غير مجدية، وأن الاتفاق النووي هو في الحقيقة أشبه بمولود مشوّهٍ، لأنه تجاهل التوسع الإيراني في المنطقة ومن المحتمل أن يطال الأذى الولايات المتحدة وأوروبا، ومصالحها في الخليج، وسيعود الاصطفاف والاصطفاف المضاد.
ويعتبر هذا الرأي، أي تجاهل للدول المتأثرة بالنفوذ الإيراني، هو في الحقيقة خطوة نحو الفشل المحتوم للاتفاق.
ويعزز هذه الفرضية، القول إن تقلبات الإدارة الأمريكية، وتناقض المواقف بين الجمهوريين والديمقراطيين، سيؤثر – بلا شك – على التزامات واشنطن نحو الاتفاق، خصوصًا إذا تعرض حلفاؤها لأي اعتداء إيراني، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، رغم تضمن الاتفاق بنسخته الأخيرة على فرض غرامة مالية ضد أمريكا، في حال انسحبت من الاتفاق، كما حدث سابقًا على يد الرئيس دونالد ترامب.
ثغرات في الاتفاق النووي
لا تخلو نصوص الكثير من الاتفاقيات السياسية، من المصطلحات التي تحمل تفسيرات متعددة، وهو ما قد يتضمنه الاتفاق النووي الإيراني، لذا من المحتمل أن تستغل إيران هذه الثغرات للإخلال بالتزاماتها تجاه بنوده، بطريقتها الخاصة، كما أن الاتفاق لا يمنع طهران من نشر مشروعها خارج الحدود، وهنا المشكلة الجوهرية بالنسبة لدول المنطقة.
من المؤكد أنه لا مصلحة لدول المنطقة في زعزعة أمنها القومي، إلا أن مراقبين لا يستبعدون استغلال طهران لبعض الفجوات في الاتفاق، قد تفضي إلى إعادة الخلاف إلى الواجهة، وربما فشل الاتفاق أو عرقلة تنفيذ بنوده، خصوصًا في ظل التهديدات المستمرة من قبل حزب الله اللبناني والحوثيين والفصائل الموالية لإيران في العراق وسوريا لحلفاء واشنطن في المنطقة، بما في ذلك التهديدات المتواصلة لإسرائيل، وإن كانت لا تتجاوز التصريحات الإعلامية.
يرى البعض أن الفشل المحتمل للاتفاق النووي، ليس من صالح إيران، لأنها ستتعرض لعزلة جديدة، وانهيار اقتصادي متوقع، وارتفاع في معدلات البطالة.. لكنها قد تلجأ إلى الصين وروسيا؛ حيث سيدعمها الحلفاء بعقود اقتصادية طويلة الأمد، لشراء نفطها، وتمويل نشاطها العسكري.
كما تمتلك إيران خيارات بديلة، للخروج من العزلة، في حال فشل الاتفاق النووي، وعودة العقوبات الغربية، منها اللعب على المتناقضات في المنطقة، واستغلال الخلافات التي تظهر بين الحين والآخر، كالأزمة الخليجية سابقًا، والتحالف مع تركيا، وعقد اتفاقيات مع حركة طالبان في أفغانستان.
هل تتخلى واشنطن عن حلفائها؟
على الرغم من سعي حلفاء واشنطن لترتيب أوضاعهم، وعقد بعضهم تفاهمات مع طهران، بناءً على احتمالات الخذلان الأمريكي، إلا أن البيت الأبيض، يؤكد – بين الحين والآخر – أنه لن يتخلى عن حلفائه، وهو ما أكده الرئيس جو بايدن، خلال قمة، في يوليو الماضي، أعقبته تطمينات مماثلة صدرت عن وزارة الخارجية الأمريكية في وقت لاحق.
وكما سعت الولايات المتحدة الأمريكية لإحياء الاتفاق النووي، بعد توقف، لتتفرغ للأزمة الأوكرانية، وصراعها مع الصين، فإن إيران – أيضًا - تعد الأيام لإنجاز الاتفاق في ظل الإدارة الأمريكية الحالية، حيث مازال شبح ‘‘دونالد ترامب’’ يخيم على ذهن المرشد الإيراني علي خامنئي، واحتمالات عودته إلى الحكم ممكنة، وأي تأخير في إنجاز الاتفاق لا يخدم إيران بأي حال من الأحوال.
إضافة إلى ذلك، فإن أي فشل للاتفاق النووي، يعني العودة إلى دائرة العقوبات والأزمات، وربما الصراع العسكري المباشر أو عبر الوكلاء، كـ ‘‘إسرائيل’’ التي عارضت العودة للاتفاق، ولا تبدو الآن راغبة في إنجازه.
وبين هذه التناقضات تبقى كل الاحتمالات واردة، بما فيها الخيار العسكري، الذي لا تستبعده طهران رغم محاولتها الخروج من العزلة والحصار الاقتصادي، وتحقيق مكاسب ملموسة، تعزز شعبية الرئيس الحالي إبراهيم رئيسي.