الإرث العربي اليهودي ما بين التمسك بالهوية ومحاولة التجريف الصهيونية (5)

  • منذ سنة - Friday 21 October 2022

الإرث العربي اليهودي ما بين التمسك بالهوية ومحاولة التجريف الصهيونية (5)
رشا كافي
صحافية يمنية وناشطة سياسية-محررة  في AF

يهود اليمن (2)

AF
في طور حديثنا عن الإرث العربي اليهودي بدأنا سلسلتنا بالحديث عن يهود اليمن كمقدمة لحديثنا الواسع عن ذلك الإرث بشكل عام، وحتى تتضح الصورة بشكل أكبر فأننا نحاول الغوص في جذور كل ما يخص يهود العرب وأن كان ذلك بشكل مقتضب.

وتكملة لحديثنا السابقة عن يهود اليمن فأننا سنبدأ بالحديث عن شعائرهم الدينية، فقد كان يمارس اليهود اليمنيين شعائرهم الدينية في المعابد ويطلق عليه "كنيس"، لكن مع تضييق الخناق وتدمير معابدهم نتيجة التغيرات السياسية التي حدثت في البلد، أصبحوا يمارسوا تلك العبادات في منازلهم.

وتنحصر تلك العبادات في يوم السبت المقدس من كل أسبوع، بالإضافة لعيد الفصح، وعيد الغفران وكذلك عيد الأنوار وكلها مناسبات دينية خاصة باليهود. 

كما يعمل يهود اليمن على تعليم أبنائهم اللغة العبرية والتوراة في سن مبكر يبدأ من عمر الثالثة، ويكون التعلم حصراً للذكور دون الإناث عند حاخام لديه علم واسع بأمور الدين وطريقة تعليمه لهم، وهو بمثابة كبير القوم والممثل لهم ولا يشترط أن يكون كبير في العمر.


أبناء اليهود في العادة لا يلتحقوا بالمدارس إلا فيما ندر وذلك يعود لأسباب عدة منها المضايقة التى يتلقوها في المدارس، وخوفهم ايضاً على أبنائهم من التنمر من قبل مدرسي مواد الدين الاسلامي، بالإضافة إلا ان المنهج الذي يتم تعليمه في المدارس منهج موجه لأبناء المسلمين.

مع انه في أكثر من تصريح لحاخام الطائفة اليهودية في اليمن: بأنهم ليس لديهم مشكلة في أن يتعلم أبنائهم منهج إسلامي بقدر ما يهمهم الشعور بالأمان أثناء ذهاب أبنائهم إلى المدارس، وأتحدث هنا عن يهود الشمال. 


أما بالنبسة ليهود جنوب اليمن وأقصد خلال فترة الإحتلال البريطاني، وبالتحديد ممن كان يعيش داخل محمية عدن فقد كانوا يذهبون إلى المدارس ويتعلمون مع بقية الطوائف الدينية المختلفة بما فيهم المسلمين ولكن مع وجود حصص خاصة بتدريسهم اللغة العبرية.

فقد كان يختلف وضعهم الاقتصادي والاجتماعي عن يهود الشمال فلهم معابدهم الخاصة والتي يمارسون عباداتهم بحرية أكثر من يهود الشمال، ولكن الوضع اختلف أكثر مع إعلان قيام دولة إسرائيل وبدأ تضييق الخناق عليهم منذ العام 1947 .

إنتهاكات مستمرة 

رغم كل الإنتهاكات المتكررة التي حدثت ليهود اليمن على مدى فترات زمنية متعاقبة، فأن يهود اليمن لا يؤمنون بالصهوينة ويرجع ذلك لأسباب دينية ترفض أن يُجمع اليهود في دولة واحدة قبل ظهور المسيح المخلص ليرشدهم لما ينبغي عليهم القيام به.

فأسباب هجرتهم كانت كلها بسبب العداء المتكرر عليهم، والذي زاد حدته مع إرتكاب الكيان الصهيوني جرائم التهجير والقتل بحق الفلسطينيين، بالإضافة إلى تأثر الشارع اليمني بالخطاب القومي العربي والتحريضي ضد اليهود مع قيام دولة إسرائيل.

 

وبالرجوع قليلاً إلى الإنتهاكات المتكررة سنجدها ليست محصورة بالعام 1948 أو خلال فترة قيام دولة إسرائيل، فيهود اليمن على مر عصور كثيرة قد تعرضوا لمختلف أنواع التنكيل، أبرزها بما يسمى منفى "موزع" وهي أحد مديريات محافظة تعز الساحليةجنوب صنعاء، في القرن الخامس عشر للميلاد في عهد الأمم المهدي احمد بن الحسن، حيث قام بتهجير يهود صنعاء بعد أن أمر بهدم كنائسهم، ومصادرة منازلهم وممتلكاتهم.


مما أدى الى موت العديد منهم أثناء الطريق من صنعاء إلى "موزع"، الى أنه بعد عام من تهجيرهم سمح بعودتهم إلى صنعاء بعد أن شكا المسلمين للأمام بإنعدام الكثير من السلع والخدمات التي كان يقوم بها اليهود، ولكن ليس إلى أماكنهم القديمة، بل إلى حي جديد خاص بهم وهي أشبه بعملية عزل لهم عن المجتمع سمي لاحقاً بقاع اليهود.

أما في القرن التاسع عشر، فقد تعرض اليهود إلى نوع جديد من الإنتهاكات فقد منعوا من أشياء كثيرة أهمها منعهم من ركوب الحمير والأحصنة، وعدم إرتدائهم ملابس جديدة، كما تم إجبارهم بالسير ناحية اليسار، بالإضافة إلى منعهم من بناء أكثر من طابق فقط، وارتداء السلاح بما فيه الجنبية لكونهم بحسب العرف الإسلامي ذميين تحت حماية المسلمين ولا يحتاجوا أن يحملوا السلاح .


بالإضافة إلى "قانون الأيتام" الذي فرضه الأمم يحيى حميد الدين في العام  1920 والذي يقضي بأن يتم تبني أطفال اليهود اليتامى ويتم تنشئتهم تنشئة إسلامية، من مبدأ إسلامي  "أن كل مولد يولد على الفطرة والتي بإعتقادهم هي الإسلام" .


وأما في عدن جنوب اليمن، والتي كانت وقتها تحت حكم الإحتلال البريطاني فقد شهدت أعمال عنف كانت هي الأبشع على الإطلاق، أبرز تلك الأعمال محرقة يهود عدن التي حدثت عام 1947 والتي استمرت لمدة ثلاثة أيام راح ضحيتها  أكثر من 90 يهودياً وجرح فيها أكثر من مئة منهم، إلى جانب ذلك تم تدمير أكثر من مئة محل تجاري بالإضافة إلى مئات المنازل التى أحرقت والتى كانت لمالكين يهود فما كان منهم إلا أن يهاجروا حفاظاً على ما تبقى منهم.

وبالعودة إلى تكرار الإنتهاكات فأن أحداث 2004 التى شهدتها الحكومة اليمنية مع جماعة الحوثي في مركز معقل زعيم الجماعة وقتها محافظة صعدة شمال غرب صنعاء  تم طرد أكثر من 70 فرد من قبائل آل سالم اليهودية، وتم السطو على بيوتهم وممتلكاتهم، وهم آخر ما تبقى من أفراد الديانة اليهودية في صعدة، وتم نقلهم إلى صنعاء ليكونوا تحت حماية الحكومة اليمنية.


إلى أن أتى العام 2011 وبسبب توسع الحوثيين ووصولهم محافظة عمران شمال صنعاء وقتل العيلوم "ماشا يعيش النهاري" غادر ما تبقى من يهود عمران إلى صنعاء، ليتم في 2013 داخل العاصمة صنعاء  قتل " هارون يوسف الزنداني" وهو أحد أفراد الطائفة اليهودية مما جعلهم يشعرون بالخوف  ليكتمل خوفهم أكثر مع سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء.


 وبسبب التضيقات التى حدثت لهم وصلت حد إجبارهم على المغادرة خصوصاً بعد تهريب أقدم نسخة للتوراة في عام 2016 من قبل عائلة يهودية إلى إسرائيل، تم اعتقال أحد أفراد الطائفة ممن تبقوا في صنعاء بتهمة التواطؤ والاشتراك  بتهريب الوثيقة، ولازالت القضية يتم النظر فيها حتى الأن، كما تم خطف زوجة المتهم وتزويجها قسراً على أحد أفراد الجماعة بحسب تصريحات حاخام الطائفة اليهودية يحيى يوسف.

 إذا تعتبر نسخة التوارة التى تم تهريبها من أقدم النسخ التاريخية وهي جزء من الموروث المادي اليمني الذي تدعي اليوم إسرائيل بملكيته وهو ما سنتطرق له أكثر في المادة القادمة.

يتبع ......يهود اليمن