عبد العزيز المنصوب يكتب صوفية اليمن ودورهم المتميز

  • مقال خاص AF
  • منذ سنة - Tuesday 21 March 2023

عبد العزيز المنصوب يكتب صوفية اليمن ودورهم المتميز
AF متابعات
متابعات عبر وكالات الانباء 

AF

صوفية اليمن ودورهم المتميز

بقلم عبد العزيز سلطان المنصوب - صنعاء

يعتبر التصوّف أحد أهمّ فضاءات الفكر والثقافة الإسلاميين الذي كان له دور كبير في تعريف الناس بالدين الإسلامي وتقريبهم إليه ونشر قيم المحبّة والتسامح والإخاء، إضافة إلى إعمال الفكر والتعمّق في أبحاث العلم البعيدة الغور المتصلة بالعلاقة بين الخلق والخالق وبين علاقة المخلوقات كلّ منها بالآخر بحثا عن اليقين بأبعاده المختلفة.

ولقد كان لليمن العزيز التي شرّفها الله بوصفها أنها "بلدة طيّبة" مآثر خاصة سبقت بها بقيّة بلاد الله، وذلك من خلال اتخاذها مسارات ثلاثة رئيسة تميّزت بها منذ أن وقع على الخلافة الراشدة مهمة الدفاع عن الدين، بعد أن كان لأبنائها الأنصار من الأوس والخزرج شرف استقبال النبي عليه الصلاة والسلام انتصارا للدين الحنيف وخوض معارك الإسلام الأولى معه.

ولقد كانت هذه المسارات الثلاثة التي اتخذها أبناء اليمن كما يلي:

1- تحمّل العبء الرئيسي في حمل راية الدفاع عن الدين في زمن الخلفاء الراشدين بانتقال أعداد مهمّة من أبنائهم إلى المدينة المنورة عاصمة الخلافة الراشدة وانضمامهم مع أسرهم إلى الجيوش الإسلامية التي انطلقت شمالا وشرقا وغربا وكانوا عمودها الرئيسي ووقودها المحرّك، حتى صارت مآثرهم حديث التاريخ في كل البلاد التي وصلوا إليها في الشام وفارس وبلاد ما وراء النهر حتى أطراف الصين وشمال أفريقيا والأندلس.

 


2- تحرّكت المدرسة الصوفية الحضرمية شرقا وجنوبا مع حركة التجارة التي شهدتها القرون التالية لما بعد فترة الخلافة الراشدة ووصلت إلى أقاصي المشرق في أندونيسيا وماليزيا وكذلك الجنوب في بلاد شرق أفريقيا ونجحت في استقطاب عقول وأفئدة البشر في تلك البلاد واعتناقهم لهذا الدين الخاتم بعد أن قدّمت لهم هذه المدرسة النموذج الإيجابي والمتميز للسلوك القويم.

 

وتبيّن الدراسات الحديثة أنّ ثلثي العالم الإسلامي الآن -بشرا وأرضا- إنما تعرّف على هذا الدين واندمج فيه من خلال المدرسة الصوفية وليس غيرها، حتى أنّ أكبر دولة إسلامية الآن وهي إندونيسيا لم يعتنق سكانها الإسلام إلا من خلال النشاط الصوفي، وليس من المبالغة القول بأنّ العنوان الرئيس للصوفيّة هناك هم صوفية اليمن.

 


3- وبعد أن حدث هذا التوسّع الكبير لأمّة الإسلام، فقد صار من الصعب الاكتفاء بالتعليمات المباشرة التي يلقّنها شيوخ الزوايا الصوفية لمريديهم وأتباعهم، فكان لا بد من اعتماد التوصيل من خلال بثّ التعاليم في الكتب والمؤلفات التي يتم توزيعها إلى المحبّين لشرح مقامات السلوك ومفاهيم هذا العلم العميق، وقام بذلك عدد من الشيوخ بمناطق عدّة من بلاد الإسلام.

إلّا أنّ شيوخ صوفيّة اليمن -من المقيمين أو من أبناء المهاجرين- كان لهم الباع الأطول في رفد المكتبة الصوفية بأهمّ تراثها وتعليماتها.
وفي هذا الصدد يبرز أمامنا أربعة من هؤلاء الشيوخ العمالقة الذين لهم بصماتهم في النشاط الفكري الصوفي الرائد الواسع الانتشار..

 

ففي الداخل اليمني ظهر الشيخ أحمد بن علوان في القرن السابع الهجري (منتصف القرن الثالث عشر الميلادي)، وهو الذي اتّسع صيته حتى لم يعد يجهله أحد من أبناء اليمن والبلاد المحيطة، وكان قد ألّف عددا من الكتب التي انتشرت، وظهرت باسمه الزوايا الصوفية في اليمن والمدينة المنورة وامتدت إلى مصر والحبشة في أفريقيا.

وفي النصف الثاني من القرن الثامن وبداية القرن التاسع الهجريين (النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي) ظهر الشيخ والأديب والشاعر عبد الرحيم البرعي بديوانه العاطفي الجميل الذي انتشر في دول الشمال الأفريقي والسودان والشام والحجاز وصار ديوانه لسان حال المحبّين من أهل الله عند الجميع.

وفي نفس العهد ظهر الشيخ عبد الكريم الجيلي -ابن تهامة اليمن- صاحب الإنسان الكامل الذي اعتبرته مدارس الصوفية في المرتبة الثانية بعد الفتوحات المكية، ووضعت لصاحبه مقاما بعد الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي مباشرة.

وفي خارج اليمن ظهر وبرز أحد أهمّ أبنائها وهو الشيخ محيي الدين بن العربي ذو الأصول اليمنية؛ فآباؤه من طيّ وأخواله من خولان كما قد صرّح هو بذلك، وهو الذي اعتمدته جميع المدارس الصوفية من عهده وإلى اليوم بالشيخ الأكبر، وقد ألّف المئات من الكتب والرسائل ويأتي في مقدّمها الموسوعة الصوفية الكبرى "الفتوحات المكية"

 

والتي صارت المرجع الأوّل لجميع المدارس الصوفية حتى اليوم وإلى ما شاء الله،  إضافة إلى أهمّ وأكبر ديوان في الشعر العربي "ديوان المعارف الإلهية واللطائف الروحانيّة" الذي تربّع على عرش الشعر ولم يدانيه أحد حتى الآن، فقد تضمّن بين دفتيه أربعة آلاف قصيدة و 31 ألف بيت، وهو ما عُلم من شعره اليوم، ولم يأت شاعر بمثلها من قبل وإلى الآن كمّا أو كيفا.

ولقد منّ الله علينا خلال ثلث قرن مضى، بتحقيق وإخراج أهمّ المؤلفات القيمة التي ذكرناها لهؤلاء الروّاد هنا في اليمن موطنهم وموطن آبائهم، وهي جميع مؤلفات الشيخ أحمد بن علوان وعبد الرحيم البرعي، وثلاثة وأربعون كتابا ورسالة للشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي إضافة إلى غيرهم من صوفية اليمن وهم عبد الكريم الجيلي وعبد الهادي السودي وأبو بكر الحكاك وحميد الدين المقطري، امتنانا واعترافا بمجدهم وسَبْقِهم في التعبير عن هذا الفضاء الثقافي العربي الإسلامي وريادتهم له، لنشرها وتوزيعها في مختلف أركان المعمورة استمرارا لوظيفتها التي أرادها هؤلاء الآباء الكرام