منذ 7 أشهر - Saturday 25 October 2025
AF
أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي مبادرة للتبرع من أجل إعادة إعمار غزة، وهي مبادرة لا تندرج فقط ضمن أطر العمل الإنساني، بل تمثل أيضاً خطوة استراتيجية مرتبطة بالأمن القومي المصري.. كيف!
لان خطر مشروع التهجير القسري عن غزة ما يزال وارداً، واسرائيل لم ولن تتنازل عنه، او تنساه، ومخطيء من يظن، انها رمته في درج النسيان! لذلك فهذه المبادرة هي جزء من استراتيجية الدولة المصرية نفسها، وليس مجرد حماس من شخص الرئيس.
لكن بصراحة... هل يفهمه المصريون بهذا الشكل، ام ان بعضهم يزايد على السيسي نفسه، على اساس مصر أحق ، وربما كثير من الكتاب ، كابراهيم عيسى روجوا لهذه الفكرة!
وهنا لا يمكن ان اجد ان هذا التصرف بريء، ولا يندرج تحت دعم المشروع الاسرائيلي ضد مصر، وهو مشروع التهجير ، بافراغ غزة، وتعطيل اعادة الاعمار.
فهذا المشروع الاسرائيلي لن ينتهي ، ولن تصده سياسات أو بيانات وحدها، او حتى وقف اطلاق النار، بل يتطلب خلق بيئة محلية قادرة على احتواء السكان وإعادة بناء البنية التحتية وحياة الناس — وهذا ما توفره عملية إعادة الإعمار.
وهنا يمكن فهم مبادرة مصر، انها خطوة استباقية، تأتي بعد اشارات التلكؤ الخليجي لاسيما الاماراتي السعودي، الذي اشترط مغادرة حماس من المشهد السياسي.
وهنا يمكن قراءة غيابهم بتمثيل قوي في قمة شرم الشيخ للسلام، هو اعتراض على الرؤية المصرية للحل في غزة، والتي اولاً لا تستثني حماس، بل تدمجها مع بقية الفصائل الفلسطينية، وثانياً من خلال إسراع اعادة الاعمار، اي التحرك سريعاً نحو الخطوات التالية من الاتفاق، لمنع عودة الحرب.
فإعادة إعمار غزة ليست خدمة إنسانية فقط، بل هي استثمار أمني وسياسي لمصر، فاعمار غزة هو دعم لمصر، فمبادرة إعمار غزة: خطوة استباقية لدرء مشروع التهجير.
فإفراغ غزة وخلق بيئة طاردة ، قد ينعكس مباشرة على استقرار المنطقة ويؤثر في تدفقات اللاجئين والضغوط الاقتصادية والسياسية عبر الحدود، وهناك خطة اسرائيلية لدفعهم بالقوة باتجاه الجنوب، بينما تساعد مصر على عودتهم للشمال.. شمال غزة.
لقد اظهرت مصر قوتها الخفية، التي كانت تعمل في غزة ، خلال الحرب "اللجنة المصرية" ، بدون دعاية اعلامية ، وبشكل شبه سري.
هذه الجهود الخفيفة، التي دعمت بقاء الغزاوي خلال الحرب والمجاعة والابادة، لافشال خطة اسرائيل، بدفع الغزاوين لاقتحام الحدود، وحدوث المواجهة الاخطر مع الجيش المصري.
فمصر في الواجهة، انها تواجه مشروع اسرائيل وجهاً لوجه، وسط خذلان عربي، وربما هذه احدى اسرار تقاربها الاخير مع ايران!
لذلك يقترح السياسي سد الفراغ، الذي خلقه تباطوء الدول الغنية، وخاصة الخليجية ، لان الوقت عامل قاتل، وذلك لتأخير الخطر الامني.
فاعمار غزة انقاذ لمصر…ومصر هي المستهدف من ابطال او تاخير اعادة الاعمار، بعد تعنت دول الخليج، يكاد يحرج مصر، التي سارعت في الوقت ذاته للاعلان عن مؤتمر لدعم اعادة الاعمار، ويبدو ان هناك دعم اوروبي لذلك، وكذلك اسيوي، فكانت إندونيسيا وماليزيا اولى الدول الإسلامية المتحمسة لفكرة المؤتمر المنتظر، لتدشين التبرع الدولي.
لذلك كانت مبادرة التبرع لغزة، تأتي في سياق، اننا اول من سيتبرع، قبل ان نطالب الاخرين بذلك، باعتبار ان التبرع لغزة في اطار هذا الظرف، اهم من التبرع لمصر نفسها ، لانه يوفر الاصطدام، والدخول بحرب،مكلفة اقتصادياً.
فالتهجير لو تم ،سيشكل خطراً سياسياً وعسكرياً وحتى اقتصادياً على مصر، لذلك التبرع .. اوفر
ان دعم وإعمار غزة أهمية تفوق في كثير من الأحيان مجرد الدعم الداخلي؛ لأنه يحد من احتمال حدوث تصادمات عسكرية أو أزمات إنسانية تتحمل تكاليفها القاهرة والمنطقة بأكملها.
ورغم ذلك تواجه المبادرة انتقادات داخلية — بعض الأصوات، التي تصل في لهجتها إلى التشكيك أو الرفض، تزعم أنها وطنية أكثر من أي طرح رسمي آخر.
إلا أن موقف كهذا يغيّب الحسابات الواقعية: الاستثمار في إعادة الإعمار يقلل احتقاناً سياسياً ويحد من المخاطر التي قد تفرض على الدولة دفع ثمنها اقتصادياً وأمنياً لاحقاً.
كما أن تعنت بعض الدول الخليجية في المشاركة أو التمويل يضع على مصر مسؤولية أخلاقية واستراتيجية أكبر للمبادرة، لأن تأجيل الإعمار أو تعطيله يخدم منطق التصعيد والتفريغ السكاني.
الحقائق العملية بسيطة: التبرع والإسناد لإعادة الإعمار أرخص بكثير من دفع فاتورة مواجهة عسكرية أو استيعاب موجات نزوح واسعة وتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية. بالإضافة إلى البعد الإنساني، فإن إعادة إعمار غزة تقوّي مناعة المجتمع المحلي وتحدّ من أرضية التطرف والتفريغ، ما يخدم استقرار المنطقة ويصبّ في مصلحة مصر أولاً وأخيراً.
في المحصلة، يجب أن يُنظر إلى مبادرة السيسي كخطوة استباقية وطنية واستراتيجية: ليست ترفاً سياسياً ولا مجرّد دعاية، بل خيار عملية وواقعي للحفاظ على الأمن القومي والحدّ من مخاطر مشروع التهجير.
دعم غزة اليوم يعني توفير تكلفة أكبر بكثير على مستوى الأمن والاقتصاد لاحقاً — لذلك، التبرع لإعمار غزة ليس خياراً خيرياً فحسب، بل ضرورة لأمن مصر واستقرار المنطقة.
AF